صديق الحسيني القنوجي البخاري
430
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي الملك هو الريان بن الوليد لا العزيز كما تقدم ، والمعنى اجعله خالصا لي دون غيري وقد كان قبل ذلك خالصا للعزيز ، والاستخلاص طلب خلوص الشيء من شوائب الشركة . قال ذلك لما كان يوسف عليه السلام نفيسا ، وعادة الملوك أن يجعلوا الأشياء النفيسة خالصة لهم دون غيرهم . قال ابن عباس : فأتاه الرسول فقال : ألق عنك ثياب السجن والبس ثيابا جددا وقم إلى الملك ، فدعا له أهل السجن ودعا لهم وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة ، فلما أتاه رآه غلاما حدثا فقال : أيعلم هذا رؤياي ولم يعلمها السحرة والكهنة ، وأقعده قدامه وقال : لا تخف ، وألبسه طوقا من ذهب وثياب حرير ، وأعطاه دابة مسروجة مزينة كدابة الملك وضرب الطبل بمصر أن يوسف عليه السلام خليفة الملك . وعنه قال : قال الملك ليوسف عليه السلام إني أحب أن تخالطني في كل شيء إلا في أهلي وأنا آنف أن تأكل معي ، فغضب يوسف عليه السلام فقال : أنا أحق أن آنف أنا ابن إبراهيم خليل اللّه وأنا ابن إسحاق ذبيح اللّه وأنا ابن يعقوب نبي اللّه ، وهذه هي المرة الرابعة من مجيء الرسول ليوسف عليه السلام في السجن . فَلَمَّا كَلَّمَهُ في الكلام حذف وتقديره فأتوه به فلما كلمه أي الملك يوسف عليه السلام ويحتمل أن يكون المعنى فلما كلم يوسف عليه السلام الملك ، قيل والأول أولى لأن مجالس الملوك لا يتكلم فيها ابتداء إلا هم دون من يدخل عليهم ، وقيل الثاني الأولى لقول الملك قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ فإن هذا يفيد أنه لما تكلم يوسف عليه السلام في الملك جاء بما حببه إلى الملك وقربه من قلبه فقال له هذه المقالة ، ومعنى مكين أمين ذو مكانة وأمانة بحيث يتمكن مما يريده من الملك يأمنه الملك على ما يطلع عليه من أمره أو على ما يكله إليه من ذلك . وقيل المكانة المنزلة والجاه ، والمعنى قد عرفنا أمانتك ومنزلتك وصدقك وبراءتك مما نسب إليك ، ومكين كلمة جامعة لكل ما يحتاج إليه من الفضائل والمناقب في أمر الدين والدنيا واليوم ليس بمعيار لمدة المكانة والأمانة بل هو آن التكلم ، والمراد تحديد مبدئهما احترازا عن احتمال كونهما بعد حين . قيل إنه لما وصل إلى الملك أجلسه على سريره وقال له : إني أحب أن أسمع